التمويل الزراعي بين الواقع والمأمول

التمويل الزراعي بين الواقع والمأمول

إعداد/ راشد حامد عبدالله

لهيئة البحوث الزراعية علاقة عضوية مع جامعة الجزيرة بحكم الهدف الواحد المتمثل في الدفع نحو التنمية المستدامة والشاملة في كل السودان، بجانب تمثيل مديرها في مجلس الجامعة. وتفتح هذه العلاقة الباب أمام إجراء بحوث مستقبلية لتعضيد التنمية من خلال البحث العلمي في مجال الزراعة واقتصادياتها، وسبل تطوير العمل الزراعي بالبلاد في ظل تدني الإنتاجية كأحد أكبر التحديات. واقع يخص السودان كدولة نامية تجد نفسها مواجهة بتحديات كبيرة في مجال التنمية الزراعية. ويبرز التمويل هنا كمعطى مهم جداً؛ فالمشاكل قد تستمر عبر الحياة وليس كما هو متخيل عند البعض بأنها تنتهي في مرحلة الطفولة، وثمة من يعتقد أن المشاكل التي تظهر في حياتنا؛ هي مشاكل تمويل فقط، ويطمع آخرون في أخذ هذا التمويل لصرفه في وجوه أخرى، وقد يضع الدخول للتمويل بصورة “عمياء” البعض في أقصر الطرق للسجون، أو قد يدفع إلى الدخول في مغامرات من قبيل “طاقية ده في رأس ده” و”الكسر”، و”المَلِص” وكلها سيناريوهات وخيمة العواقب؛ تتطلب العمل بشكل علمي لا يخلو من الإبداع.  

*الواقع والمأمول

الواقع والمأمول في جانب التمويل الزراعي، أٌفردت له ندوة علمية نظمتها كلية الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة الجزيرة ضمنprof. abubaker أسبوعها الثقافي العلمي الثامن تحت شعار: (الاقتصاد السوداني الإمكانيات وآفاق المستقبل)، ونُدِب للحديث فيها البروفيسور أبوبكر إبراهيم حسين مدير هيئة البحوث الزراعية.

*عوامل الإنتاج

وفي جانب التمويل الزراعي؛ فلا مناص من خيارات للوصول لقرار نهائي في المجال الذي يهدف إلى تحسين مستوى القطاع الزراعي بما فيه المزارعين، والخدمات التمويلية التي يشترط فيها الكفاءة والاستمرارية، وهنالك سوق كبيرة للخدمات التمويلية تجد داخلها أربعة أشكال من التمويل كجزء من التمويل الريفي المتضمن جزئية التمويل والإقراض الزراعي. ويبدأ دور التمويل الزراعي في التنمية الريفية من تفكيرنا بأنه لعبة سياسية المقصود بها الاقتصاد السياسي للقطاع الحقيقي. ويعد التمويل الزراعي من أهم عوامل الإنتاج وأنظمة تحقيق الرفاهية بجانب أنه أداة متعددة الجوانب لتحقيق التنمية من نواحي أخرى.

*أهداف تنموية

هنالك اتجاهات عالمية تخدم “17” هدفاً تنموياً منذ يناير 2016م- 2030م لتحريك التمويل الزراعي يُنظر إليها من خلال أربعة محاور داخل برنامج التنمية الدولية تشمل منهج السوق والنمو والحوافز الموزعة بشكل صحيح داخل سلاسل القيمة، إضافة لمنهج الاستدامة وسبل العيش الكريم للناس والتفكير بشكل يستصحب المعاني الاقتصادية والبيئية بشكل مستمر حتى لا تؤذي المجتمعات نفسها، هذا بجانب الموارد وإعادة توزيعها إذ تعتبر سبباً في الخلل التنموي الموجود وكل ذلك يرتكز على محور الحقوق والتمكين. خلفية الأمر هي تحقيق التنمية المستدامة للمجتمعات بناءً على تحديد احتياجات العملاء الموجودين، وهو دور تقوم به الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، ويبقى على الحكومة العمل على إيقاظ المبادرات المجتمعية لتنهض بمسؤوليتها تجاه تعضيد دور التنمية التشاركية المبني على تقسيم الأدوار وتشخيص التنمية من الأسفل للأعلى؛ ويمثل التمويل هنا أيضاً حجر الزاوية.

*عدالة اجتماعية

وهنالك ثلاثة دوال تربط التمويل الزراعي بالاستثمار؛ والنمو الاقتصادي وهي: الناتج المحلي الإجمالي كمستهدف رئيس، بجانب رفع الإنتاجية بشكل رئيس أيضاً، علاوة على الإدماج أو العدالة الاجتماعية؛ فأي خطة تنمية هدفها “عدالة اجتماعية” من خلال عملية اقتصادية بين شركاء التنمية المختلفة. وبالنسبة للمستثمر فإنه يحتاج لموارد معينة لتحقيق “عملية إنتاجية” في مقدمتها رأس المال، وكفاءة المُنْتِج نفسه فالمزارع يسهم بشكل كبير وفاعل في العملية الإنتاجية، يضاف إلى ذلك كفاءة استغلال الأرض، ووحدة المياه، والآلة، والحيوان، وخلاصة الأمر في العملية التمويلية أن كفاءة استغلال الموارد ينعكس إيجاباً على كفاءة هذه الأشياء.

*توفير التمويل

ويبقى القطاع الزراعي في حاجة لتوفير اللازم من المال للعملية الاستثمارية بغض النظر عن المصدر، ولكن يجدر فض التداخل بين مفاهيم التمويل والإقراض الزراعي وبين السلفيات والائتمان؛ ففي التمويل لا يحتاج المزارع لقروض فقط؛ وإنما خدمات مالية متنوعة بالنظر إلى أن المزارع له أسرة “معيشية” تتخللها مراحل زواج ووفاة وغيرها ما يجعله في حاجة  لرأس مال عامل، وأصول ثابتة، واستثمار إضافي، وتمويل للمناسبات الاجتماعية. إذاً فمقابل احتياجات المزارعين يجب أن تكون هنالك منتجات تمويلية صحيحة، وأسعار صحيحة؛ في الوقت الصحيح، بجانب تغطية احتياجاتهم في مجال السلف والقروض، فهم يحتاجون لخدمات تأمين، ومدخرات، وتحويلات نقدية.

 بيد أن واقع الأمر يقول: أن قروض الأعمال والقروض الحياتية “مهملة” في التمويل الزراعي، يضاف إليها قروض الإسكان، وهناك أدوات تمويلية أخرى تأتي باتباع منهج التنمية التشاركية تتمثل في استثمارات البنيات الأساسية والمجتمعية، وبرامج التعليم وبناء القدرات، والخدمات غير المالية، وترقية الأعمال، وكلها تتعلق برفع المهارات فيما يخص المزارع، والتقانات الحديثة لرفع الإنتاجية، والتدريب المهني، وفي روح الأعمال والمقدرات التنظيمية اللازمة لتحقيق اقتصاديات “النقاط- السعة- الحجم”. فالتمويل يمثل نُقلة من هم “المعيشة” إلى التخطيط المستقبلي من خلال الحصول على خدمات مالية يحصل بها زيادة وتنوع في الدخل، وبناء للأصول، وبالتالي تقليل المخاطر والتخطيط للمستقبل، وخلق الخيارات، والزيادة في الاستثمار، والصحة، والتعليم، والحياة، والسلامة الصحية.

*مجالات التمويل

ويبحث التمويل الزراعي في دراسة وتحليل مسائل الاقتراض في الجانب الاقتصادي؛ والجوانب المتعلقة بها، والمسائل المتعلقة بالمؤسسات الإقراضية نفسها وعلى رأسها النظام المصرفي من حيث الأدوار وحيويتها المالية، وأسلوب إدارتها للعملية الإقراضية، ومدى تأثرها بالمتغيرات الاقتصادية، وإدارة القروض وخدمتها. ويوجه التمويل الزراعي رسالة مهمة جداً نحو تغيير مفهوم التمويل بأنه: (مال من الحكومة) يستباح دون توظيفه في الوجه المطلوب. والتمويل الزراعي هو عملية اقتصادية تنموية تنطوي على توفير الوساطة على أسس بها كفاءة؛ وهي أسس وأساليب التوسط المالي والرغبة، ومسائل تكلفة استخدام رأس المال، وسبل تعزيز الكفاءة.

*التكوين الرأسمالي

ومن أهداف التمويل الزراعي كوسيلة لدفع عجلة التنمية الزراعية؛ هي زيادة “التكوين الرأسمالي” في الزراعة، والمحافظة على حجم نشاط زراعي ملائم، وزيادة كفاءة الإنتاج، وزيادة المقدرة على مواجهة الظروف الاقتصادية المتغيرة، والزراعة التكنولوجية، ومواجهة التقلبات الموسمية في الدخل والنفقة، إضافة للحماية من الظروف الطبيعية غير المواتية، وإتاحة التملك، وهذه الأهداف في مجملها تصنف خدمات التمويل، وتُبيِّن أن التمويل الزراعي ليس إقراضاً فقط. وتحصل زيادة رأس المال العيني في المجتمع نتيجة لتبادل رأس المال في الاقتصاد المعين، وهذه الزيادة في رأس المال العيني تؤدي بدورها لزيادة الإنتاج، وتوفير الظروف الملائمة لرفع كفاءة الإنتاج نفسه. ولإحداث تراكم رأسمالي يتطلب الأمر التضحية باستهلاك جاري نحو شيء مستقبلي، ولتحقيق التكوين الرأسمالي فإن كمية السلع الاستهلاكية في فترة زمنية معينة في مجتمع معين يجب أن تكون أقل من الإنتاج الكلي، وتكون كمية رأس المال المتولدة عبارة عن سقف للإنتاج والاستهلاك لتلك الفترة.  

*التزام متبادل

ويعتبر التزام الحكومة بدورها تجاه التمويل الزراعي، والتزام المزارعين بالسعي للتعلم واكتساب الخبرات، والتزام الجهات التمويلية بأكثر الأساليب فاعلية، من عوامل النجاح التي تجعل التمويل الزراعي في وضع أفضل. فأي عملية نجاح تتطلب التزاماً ومنهجاً يبدأ من أسلوب التمويل الزراعي الصحيح والمطلوب بعيداً عن نهج (قدر ظروفك) المعمول به في السودان.

وتتطلب عوامل نجاح التمويل الزراعي أيضاً بنيات أساسية تكون في متناول العملاء، بجانب منتجات موجهة للسوق تخاطب احتياجات الناس وتلبي أشواقهم وتطلعاتهم، علاوة على تطويع النظم الزراعية الحديثة، وبناء قدرات العاملين وتحفيزهم. وتضمنت تقارير التنمية الصادرة من البنك الدولي الفرص الجديدة في التمويل الزراعي ومن بينها زيادة فاعلية الجهات المشاركة محلياً ودولياً وإصلاح المؤسسات الريفية.

وتتمثل الأدوار الجديدة للدولة في تنظيم أعمال المجتمع والقطاع الخاص في ضوء الشراكة بين الجانبين، علاوة على تفعيل المجتمع المدني الريفي، وتوفير مزيداً من الخدمات المركزية واللامركزية بحيث يتم تشخيص أولويات التنمية.

*تحقيق الاستمرارية

ويقتضي تحقيق الاستمرارية فيما هو قائم من تمويلات؛ تخفيف تكاليف المعاملات بما يحقق الربحية لكل الأطراف، بجانب طرح خدمات أكثر فائدة للعملاء تلائم حاجة وظروف مناطقهم، واستهداف أنماط ووسائل جديدة في الوصول للمزارعين الذين لا يتلقون خدمات بنكية ومن بينها التعاونيات أو جمعيات الإنتاج الزراعي.

وتتأكد أهمية بناء مؤسسات مالية محلية، وتفعيل التعاونيات القائمة على تحريك المدخرات الشخصية. غير أن التعاونيات في السودان تعاني الاحتكار الإداري والضعف المعرفي للأجيال الناشئة بمدى أهميتها ما يحتم الحاجة لتفعيل إعمال قانون التعاونيات فيما يخص المواد التي توضح أن الجمعية التعاونية هي عبارة عن فرع بنكي، وبناء مؤسسات وإداريين على درجة من القوة وقيادات تُورِّث الخبرات للأجيال، وتفعيل مثلث التمويل.

*معوقات

ويُواجه التمويل الزراعي بمعوقات عدم منح القروض في معظم الأحيان وفقاً للأسس العلمية والاقتصادية والمالية، بجانب أن معظم قرارات التمويل تستند على القرارات السياسية بعيداً عن أسس التقييم، وعدم التقيد والعمل بدراسات الجدوى المالية والاقتصادية، وضعف نسب الاسترداد، وضعف إقبال صغار المزارعين على التمويل حيث تترواح النسبة بين 15- 20%، يضاف إلى ذلك عقائد المزارعين بأن التمويل يقود للسجون، وعدم توفر التقنيات الحديثة التي تساعد على سرعة الإنجاز.

ARC