منبر “إمام” يدعو إلى ترك مصطلح “تطبيق الشريعة” إلى غير رجعة

منبر “إمام” يدعو إلى ترك مصطلح “تطبيق الشريعة” إلى غير رجعة

النسخة الثانية لمنبر الحوار حول تحديات إقامة الدين وتطبيق الشريعة في أنظمة التشريع، والقانون، والعدل، التي أطلقها معهد إسلام المعرفة (إمام) بمقره بحنتوب في الثامن من أغسطس الجاري، أُريد بها أن تكون معتركاً فكرياً، ومثاراً للجدل والنقاش وصولاً لما هو أوفق في قضية إقامة الدين التي يرى فيها مؤسس المعهد المفهوم الصحيح الذي يستصحب مقاصد الدين ووسائله أي أحكامه الشرعية استناداً على قوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، والتأكد من عدم وجود مشكلة مع أولئك الذين يعتقدون أن الدين هو الشريعة، وأن الشريعة هي الأحكام الشرعية.

فإقامة الدين كما بيّن ذلك البروفيسور محمد الحسن بريمة مؤسس معهد إسلام المعرفة، هو مفهوم قرآني مباشر، أما تطبيق الشريعة فهو مصطلح “حادث” ولا يستوعب أصلاً مقاصد الدين الكلية التي تبنى عليها الأحكام الشرعية كوسائل وبالتالي الوصول إلى ترك مصطلح “تطبيق الشريعة” إلى غير رجعة- على حد تعبيره- والإلتزام بمفهوم إقامة الدين المستصحب للمقاصد والوسائل.

ويرى بروفيسور بريمة في قول: (الشريعة نقصد بها الأحكام الشرعية وتطبيقها في الحياة) طريقاً للوقوع في المشاكل باعتبار أن الشريعة ليست هي الأحكام الشرعية، فالأحكام الشرعية كما ذكر هي: (وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة في الحياة) والشريعة هي: (الشرعة والمنهاج) بدليل قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، والأحكام الشرعية من وجهة نظره تتعلق بأفعال المكلفين مثل الواجب، والمندوب، والمباح، والحلال، والحرام.

هذا بجانب أن لكل مكلف مقاصد حياتية إذا توفرت لها الوسائل المناسبة لتحقيقها، وهذه المقاصد قد تكون شرعية إذا تطابقت مقاصد المكلف مع الشارع، وقد تكون مقاصد دنيوية بحتة إذا حصل الاختلاف بينهما، غير أنه في الحالتين تبقى الحاجة إلى وسائل لتحقيق تلك المقاصد وهي في نظر بروفيسور بريمة قضية منطقية جداً.

 ومن هنا فإن المقاصد دائماً ما تُقدم على الوسائل، فالأحكام الشرعية هي وسائل لتحقيق مقاصد الشارع في الحياة، وليس هي الشريعة كلها، كما لا ينبغي لها أن تتقدم على الدين، فلا بد أن تأتي مقاصد الدين أولاً ثم من بعدها تأتي الأحكام الشرعية، فالحديث- كما أعاد التذكير- عن إقامة الدين وليس تطبيق الشريعة.

ويتساءل بروفيسور بريمة عن ما هو دور مقاصد الدين في استباط الأحكام، وفي تأثيرها على ورود الأحكام حتى في المحاكم وخلاصة الأمر أن المقاصد هي الأساس الذي تنبثق منه الأحكام الشرعية، أما أهم أصول الأحكام فتتمثل في: مقاصد الشريعة الإسلامية.

** تحديات تواجه التطبيق

مفهوم إقامة الدين وتطبيق الشريعة في أنظمة العدل والقانون، عنوان لورقة عمل أعدها بروفيسور آدم أبو القاسم أحمد اسحق عميد كلية الدراسات العليا بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم، واستعرضها خلال المنبر، حيث توصل من خلال ملاحظته للنظام العدلي في السودان والدول الإسلامية الأخرى إلى أهم التحديات التي تواجه تطبيق أحكام الكتاب والسنة في النظام العدلي.

وعلى رأس تلك التحديات هو التأثر بالثقافة القانونية الغربية؛ فمعظم الذين يقومون بإعداد التشريعات؛ والذين يطبقونها درسوا على النمط الغربي، ويعرفون القوانين الإنجليزية، والهندية أكثر من معرفتهم بقواعد الإسلام، وهو ماله تأثير سلبي على صياغة التشريعات وتطبيقها.

وتوصلت الورقة إلى أن إقامة الدين، وتطبيق الشريعة هما: (مصطلحان مترادفان) يُغني أحدهما عن الآخر، وأن النظام العدلي يشمل التشريعات التي تحكم التصرفات والأعمال، ويشمل أيضاً الجهات التي تقوم بتطبيق هذه التشريعات، بجانب أن التشريع أوسع من القانون في داخله، أما القانون فينحصر في القواعد التي تصدرها السلطات التشريعية.

واعتبرت الورقة أن القانون هو كلمة “دخيلة” على اللغة العربية، بينما التشريع هو كلمة عربية أصيلة، في وقت أكدت فيه تعارض نصوص بعض مواد قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م، وقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، وقانون القضاء الإداري لسنة 2005م، مع الشريعة الإسلامية والدستور.

وأوصت الورقة باستخدام أحد المصطلحين “إقامة الدين، أو تطبيق الشريعة” لاعتبارات تتعلق بالترادف، بجانب استخدام مصطلح النظام العدلي عوضاً عن أنظمة العدل، والقانون، والتشريع، واستخدام التشريع بدلاً عن القانون، هذا بالإضافة لتدريب المشرِّعين، والمنفذين للتشريع على أحكام الشريعة الإسلامية، وإلغاء أو تعديل النصوص المخالفة للكتاب، والسنة، والدستور.

** فصل القضاء

وفي اعتقاد مولانا عبد الله عمر يونس- قاضي- أن الفقرة الأولى من المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية السوداني والتي نصت على أنه: (إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة، تُطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة)، تمثل روح النص وليست هي القاعدة كما جاء في الورقة التي تضمنت إشارة إلى عدم جواز وضع الشريعة الإسلامية الي تعتبر المصدر الأول لكل القواعد القانونية في الدولة الإسلامية، في موضع يجعلها في المرتبة الثانية للتشريع الوضعي، ونادت بإلغاء، أو تعديل هذا النص الذي اعتبرته مخالفاً للشريعة الإسلامية.

وذهب مولانا عبد الله إلى أن الفقرة الثانية التي نصت على أنه: (في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي، تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية) هي التي فسرت الفقرة الأولى؛ وكأنما النص يطالب القاضي في حالة عدم إيجاد نص في المسألة المعنية، بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ويرى أن هذه المادة صحيحة 100% وليس فيها أي خلاف.

وفيما أثارته الورقة حول المادة (189) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م والخاص بعدم رفع الدعاوى ذات القيمة الضعيفة للمحكمة العليا، نوه إلى أن المحكمة العليا لم تمنع مباشرة الحقوق القضائية، لافتاً لضرورة إدراك أن المحكمة العليا هي محكمة قانون في المقام الأول، وليست محكمة استئنافية، وقال إنها فتحت الباب واسعاً للسلطات التقديرية في البحث عن أي حكم- مهما كان حجمه- إذا ثبت أن هذا الحكم مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.

ويقر مولانا عبد الله بأن نص المادة (58/1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، الذي يُخوِّل للنائب العام- في أي وقت- بعد اكتمال التحري، وقبل صدور الحكم الابتدائي في الدعوى الجنائية، أن يتخذ قراراً مسبباً بتوقيعه بوقف الدعوى الجنائية ضد أي متهم، ويكون قراره نهائياً ولا يجوز الطعن فيه، وعلى المحكمة عندئذٍ أن توقف الإجراءات وتصدر الأوامر اللازمة لإنهاء الدعوى الجنائية)، فيه شيء من عدم الموافقة لأحكام الشريعة الإسلامية، وفي تقديره الشخصي أن الحاجة لهذا النص تكون في حالة محاكمة متهم أجنبي غير سوداني فيما يتعلق بالحقوق العامة.

كما يرى أنه لا غبار على النص المتعلق بتحصين أعمال السيادة باعتبارها حالات ليس فيها خصومة بين شخصين، ويعتبر أن هذه السلطات تمثل امتداداً لسلطات ولي الأمر القطعية التي يباشر بها تنفيذ أحكامه في المجتمع.

** التماشي مع عرف العدالة

ويرى الأستاذ عثمان محمد الحسن وكيل نقيب المحامين بولاية الجزيرة، في الجزئية الخاصة بتطبيق القواعد في حالة عدم وجود نص، أنها تتماشي مع عرف العدالة، وذلك بمسوغ استقراء القانون من المستعمر، واتباع النظام الأنجلوسكسوني، فالإنجليز كما هو معروف يقدمون الأعراف، وبالنسبة إليه أن الأصل في القانون هو: (لا اجتهاد مع النص).

وهو الآخر كان له تحفظ على المادة (129) من قانون الإجراءات المدنية في بعض الدعاوى، ومع ذلك تبدو المسألة في نظره مقبولة نسبياً في جانب تنظيم الإذن بقيام الدعاوى التي ترفع أمام المحكمة العليا ولكن وفق تقديرها.

وفي تقديره الخاص يرى عدم وجود معيار بين الممارسين لمخالفة الشريعة الإسلامية التي تقبلها المحكمة العليا كسبب لنظر الطعن أمامها جنائياً، أو مدنياً بصورة أو بأخرى، فالأحكام أمام المحكمة العليا مقيدة بضرورة مخالفة الشريعة الإسلامية، والمخالفة عنده تعني مخالفة النص ويربط ذلك بما نصت عليه المادة (6) في دستور 2005م، أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس والأول للتشريع، وبالتالي أي مخالفة لأي نص هي مخالفة للشريعة الإسلامية.

** مخالفة القانون مخالفة للشريعةIMG-20160808-WA0006

ويستشهد رئيس الإدارة القانونية بولاية الجزيرة مولانا عبد الرحمن محمد أحمد في قضية مخالفة الشريعة الإسلامية بسابقة تقول: (كل مخالفة للنص، مخالفة للشريعة الإسلامية) وهذا- في نظره- ليس لأن القوانين الآن يفترض بها أن تكون مستمدة من الشريعة الإسلامية حسب ما نص عليه الدستور بأنها المصدر الأساس للتشريع في السودان، ويؤكد ما ذهب إليه آخرون في أن أي مخالفة للقانون، تعتبر مخالفة للشريعة الإسلامية.

ويرى في مسألة تحصين أعمال السيادة، ووقف الدعوى الجنائية أمران مكملان لبعضهما، فوقف الدعوى الجنائية غير متعلق بالحقوق الخاصة، حتى وزير العدل لا يستطيع وقف دعوى تتعلق بالحق الخاص، ويتأتى له ذلك في المسائل المتعلقة بالحق العام وفق اعتبارات محددة.

**  أهمية معرفة الشريعة

ويؤكد د. كمال عبد الله المحلاوي عميد مركز تأصيل العلوم بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم، أن مفهوم تطبيق الشريعة يستلزم معرفة “الشريعة” في حد ذاتها، ويرى أن تطبيق الأحكام هو أمر تفصيلي، وليس كلي؛ وذلك بداية من التشريع حيث توضع القوانين الوضعية المستمدة من الشريعة الإسلامية.

والتحدي الأساسي بالنسبة إليه في تطبيق الشريعة الإسلامية، هو اتخاذ المنهج السليم في استنباط الأحكام، وتقنين القوانين، بحيث تكون موجهة للقاضي ليستفيد منها حتى لا يترك للهوى.

IMG-20160808-WA0007 (1)

** إقامة الدين واتباع الشريعة

ويرى د. قيس محمود حامد الأستاذ بمعهد إسلام المعرفة (إمام)، أن الدين ليس هو الشريعة، وأن الشريعة لا تعتبر أحكاماً، بالإضافة إلى تدرج ذكر الشريعة في القرآن، وبالنسبة إليه فإن الشريعة تتبع ولا تطبق، وأن الدين أكبر من الشريعة، ويشدد على ضرورة توضيح المفاهيم لتفادي الوقوع في مشكلة الخلط في تطبيق الدين والشريعة، معيداً التأكيد بأن الدين يقام، والشريعة تتبع.

** أصول عربية لكلمة قانون

وذهب عميد كلية القانون بجامعة الجزيرة د. كمال الأمين في اتجاه توضيح أن الأنظمة العدلية ليست كلها قانونية؛ وذلك من واقع وجود أنظمة غير رسمية، ويرى في جانب إقامة الدين، وتطبيق الشريعة، أن تكون المفاهيم في مقاصد الشريعة الإسلامية، والقواعد الأصولية في صياغة التشريع.

وعلى عكس ما أثير حول الأصول غير العربية لكلمة “قانون” يؤكد أن هنالك علاقة بدليل وجود كتب: القوانين الفقهية لابن جزي، وما خطه ابن سينا في الطب والقانون، وهو بذلك لا يميل إلى استخدام التشريع عوضاً عن القانون بحكم أن القانون جزء من التشريع، أو بمعنى أصح هو تشريع في حد ذاته.

 

** التشريع التفويضي أمر مخل

ويميل د. الفاتح الشيخ يوسف من جامعة الجزيرة، لإحكام النصوص القضائية في الأمور الاجتهادية سواءً على فقه الجمهور، أو مذهب من المذاهب حتى لا يترك الأمر لهوى الأفراد، فأمر العدالة في نظره أمر مهم جداً. ويرى أنه إذا تنافى الدستور مع الشريعة في أي نص من النصوص كما نص الدستور السوداني، يلغى ذلك النص.

وفي وجود الأجهزة العدلية، أثار د. الفاتح أمر التشريع التفويضي وهو اللوائح التي يرى أنها يجب ألا تسري في أي أمر من الأمور مالم تودع منضدة مجلس ولائي، أو هيئة تشريعية قومية. ولفت إلى أن ما درجت عليه أجهزة العدالة، يتنافى تماماً مع العدالة من واقع  تطبيقها لما يرد في اللوائح، وذلك في إشارة للوائح أصدرتها أجهزة نظامية تتنافى مع التسويات التي الواردة في القوانين الولائية، والقومية. واصفاً الأمر بالمخل.

وبرغم أنه يرى أن تحصين أعمال السيادة أمر ضروري، ولكنه يتساءل هل هي الأوفق أم القضاء الإداري وكأنه أرفع من الدستوري، ويعتبرها نقطة معيبة، فأعمال السيادة قد تعتدي على حق مواطن على نحو ما يحدث في تعيين شاغلي الوظائف الدستورية، بحيث أن الهوى قد يتجاوز الأكفاء لمن هو أدنى درجة.