تجربة الجامعة الإسلامية بماليزيا.. تفرد الأنموذج في التطوير والتخطيط والجودة

تجربة الجامعة الإسلامية بماليزيا.. تفرد الأنموذج في التطوير والتخطيط والجودة

الإقصاء شرط لازم في لعبة الكراسي التي يمارسها الأطفال في مراحل مبكرة من العمر، حيث يقتضي الظفر بالمقعد الصراع بين خصمين يحرص كل منهما على إبعاد الآخر ليكون في النهاية هو القابض على هذه السدة. أما هنالك في اليابان، فتمارس هذه اللعبة على نحو مختلف، فعوضاً عن تساقط الخصوم، يتم إقصاء كرسي واحد في كل مرة حتى يخلص الجميع إلى كرسي واحد، وخروج أحدهم يعني خروج الجميع من دائرة المنافسة، فتجد الأيادي وقد التفت حول الأكتاف، بينما حجزت قدم كل واحد منهم موطئاً لها في هذا المقعد.

وبالنظر لما تشّربه الأطفال في النموذجين السوداني، والياباني، نجد شعباً مشبعاً بالأنانية، وحب الاستئثار بالشيء للنفس، وإقصاء الآخر، أما العشوائية فحدث ولا حرج، فكلمتها دائماً هي العليا، ويصف خبراء هذه اللعبة بأنها أنموذج مدمر لأي بلد.  وربما يكون الحديث عن اليابان في النموذج الثاني، مدعاة للفخر والإعزاز، فكل واحد من أفراد هذا الشعب، يمثل جزءاً من منظومة دقيقة ومتطورة على نحو مستمر.

ومع سيادة مبدأ الاتفاق على  الاختلاف، يبدو مجلس أي كلية من كليات الجامعة الإسلامية الماليزية أشبه بساحة حرب مفتوحة تُطرح فيها الآراء بقوة، وشفافية، ووضوح، فالمبتغى والهدف هو: التطوير المستمر والجودة، أما هنا في السودان الذي يحتاج لنحو ثلاثمائة عام للحاق بركب تلك البلاد- بحسب خبراء- تختلف الصورة تماماً، فرأيك في أي شخص يجعلك عدواً له، ويُلصق بك تهمة العمل ضده.

يضاف إلى ذلك كما بيّن بروفيسور نصر الدين أحمد كباشي، مقولة: (أعمل والله كريم) التي تتنافى مع عمل الشيء بالطريقة الصحيحة منذ أول مرة كمحدد للجودة تترتب عليه مسؤولية يحاسب عليها زيد من الناس في حالة حدوث أي أخطاء، ففي دولة مثل ماليزيا ليست هنالك أدنى رحمة في التعامل مع تطبيق الجودة بالمستوى المطلوب، وقد يصل بهم الحد إلى إقفال أي جسم لا يثبت كفاءة في الأداء، وقابلية للتطور المستمر.

بروفيسور كباشي الذي عاد لجامعة الجزيرة بعد (28) عاماً لينقل تجربة الجامعة الإسلامية الماليزية في الجودة والتخطيط الإستراتيجي، ويعكس تجاربه العلمية والبحثية المدعمة بأكثر من (300) بحث عالمي، و(3) منتجات علمية على مستوى عالي، كان من ضمن طلاب الدفعة الرابعة بجامعة الجزيرة التي تخرج فيها في العام 1989م، قبل أن يغادر السودان إلى ماليزيا في ديسمبر 1995م.

وأعادت رحلة بروفيسور كباشي من مقر سكنه إلى مركز التطوير الجامعي بمجمع الرازي بود مدني في أجواء خريفية، وأرض موحلة، للأذهان ذكرى ذات المشهد الذي تكرر بعد كل هذه السنوات، ما دفعه للتساؤل: كل عام يأتي في نفس هذه الأوحال؟ كما يأتي القاش في عام!! ماذا فعل المواطن تجاه هذا الأمر، وماذا فعلت الحكومة، وهل قام الجميع بأدوارهم؟ ونحن من وجهة نظره: (شعب لا يُحسن سوى الملامة)، ويبقى الاعتراف بالمشكلة هو: “بداية الحل”.

وتظل التجربة الماليزية التي نقلها بروفيسور كباشي للدارسين بدورة تطبيق الجودة والتخطيط الإستراتيجي في الفترة من 14-15 أغسطس الجاري، مثاراً، ومبعثاً للدهشة والإعجاب لأنظمة العمل المتكاملة في تحقيق مفهوم الجودة الشاملة ومن بين ذلك تشجيع ومراعاة وتبني أفضل التطبيقات، فالجودة تعني: الالتزام والإتقان لمتطلبات العملاء، ويقع على عاتق الراسخين في العلم، تدريب الجيل الجديد لقيادة البلاد.

والخريج  في ماليزيا يُستوعب في العمل قبل مغادرته الجامعة بفضل المستويات العالية للتأهيل ما يضمن عدم وجود أخطاء في المنتج، وتغيب في تلك البلاد سياسة الترضيات أو التمكين لأحد والتي قد تجر إلى عواقب وخيمة، ويستشهد بروفيسور الكباشي على ذلك بناقة قوم الصالح التي عقرها شخص واحد متسبباً في هلاك قرية بأكملها صمتت عن فعلته.

ويلفت بروفيسور كباشي النظر إلى ضرورة مراعاة طبيعة خدمة الجودة في الجامعات، بحيث لا يشكو الطالب من أي مشكلة بعد تخرجه، بجانب توافق المعامل والاصطاف مع أعداد الطلاب، والرؤية المستقبلية، والتخطيط الإستراتيجي، باعتبارها متطلبات أساسية لضمان جودة المنتج، حيث تخضع هذه الأشياء وغيرها لمعايير تقويم صارمة في الجامعات الماليزية بما يمكِّن من التطوير المستمر لمخرجات العملية التعليمية.

والجودة كما ذكر هي مقدار “الفجوة” بين توقعات العميل وطبيعة الخدمة، ويعتبر الوصول لنسبة 99.9% نسبة غير مرضية للماليزيين في عالم الجودة، ففي مثل ساعة شرب واحدة يومياً من ماء غير نظيف، أو رحلة هبوط خاطئ كل عام بمطار ما، أو (10) أخطاء طبية في عمليات جراحية كل شهر، لا يعتبر الأمر مقبولاً عندهم، ويظل السؤال قائماً: كيف حصلت هذه الأخطاء؟.

14012457_1080004838746910_431762791_o

وتتطلب الجودة وجود إدارة عمليات موثقة، وفاعلة، ومحايدة، وتحقيق واجتياز توقعات العملاء في جميع الأوقات، وكسب رضاء العاملين، بجانب التحسين والتطوير المستمر، والالتزام المستمر من الإدارة العليا تجاه متطلبات الجودة، وبالنظر للحالة السودانية تجري عمليات تنفيذ واسعة لمشاريع كبيرة ولكن سرعان ما تنهار أو تتلاشى فمن المسؤول عنها؟.

وعلى عكس ما يحدث له هنا، يعتبر عامل النظافة على قدر عالٍ من الأهمية في ماليزيا، ففي الجامعة الإسلامية مثلاً، هنالك أيام للنظافة يشارك فيها الجميع وبكفاءة عالية، وأول إنسان يكرّم في هذا اليوم، هو عامل النظافة وذلك بتمكينه من أداء العمرة، أو الحج، وتجاور غرفة بروفيسور كباشي، غرفة عامل نظافة يتشارك معه طعام واحد، وأدوات واحدة، ليشكلوا في النهاية يداً واحدة، وقد تحسّر كثيراً على عدم وجود عامل نظافة بين فئة الدارسين.

وتعتبر ماليزيا من أحسن دول العالم في التعليم بفضل ما وضعوه من خطط لا مجال للتراجع عنها وتتبع في ذلك معايير، أو مقاييس، أو قواعد نظامية متراكبة بهدف الوصول لجودة شاملة تخضع وبشكل مستمر للتقويم، والتطبيق، والمراجعة وفق أسس واضحة، وشفافية عالية، وحياد تفضي في النهاية إلى ضمان تطور مستمر في مستوى الخدمة.

وإن كان البون شاسعاً بين هؤلاء وأولئك، ولكن لا بأس ونحن شعب قد تعود أن يستغرق في الدهشة، ويطلق عبارات الاستغراب: (ياخ أصلو ما ممكن)، أن نضطلع على تجارب الآخرين لعل الأمر يحرك فينا ما سكن من خلايا الإبداع في عقولنا، وكانت فرصة اللقاء ببروفيسور نصر الدين الكباشي الأستاذ بالجامعة الإسلامية بماليزيا هي تلك السانحة المطلوبة للوقوف على تجربة دولة مثل ماليزيا وضعت أمام ناظريها هدف النهوض، والتطور، وأحسنت التخطيط، والتنفيذ، والمحاسبة، فأين هي الآن وأين نحن؟

ولم يكن ما صنعه الماليزيون كيد ساحر، وإنما تخطيط إستراتيجي لسنوات معينة، ووفق معايير صارمة اعتمدوا فيه على هذا العلم الأمريكي البحت والصِرف، وقاموا بتحديد أهداف بعيدة الأجل صمموا من خلالها مستقبلاً مرغوباً، ورسموا الخطط الكفيلة بالوصول، وخصصوا لذلك موارد مالية وبشرية، بجانب تحديد المخاطر في البيئتين الداخلية والخارجية.

فالتخطيط الإستراتيجي كما عرفه بروفيسور كباشي، هو: قرارات ذات أثر مستقبلي، وعملية مستمرة ومتغيرة، وذات فلسفة إدارية، ونظام متكامل يضم هياكل، وموازنات، ونظم، وبرامج تنفيذية، وإجراءات، ومتابعة.

والمتابعة هي ما يتفتقده السودان، فإن لم تخطط لنفسك كنت جزءاً من غيرك، وإذا فشلت في التخطيط تكون قد خططت للفشل، والتخطيط المسبق يمنع الأداء الضعيف باعتباره عملية اتخاذ قرارات لتحديد اتجاه المستقبل وتبدأ من أين نحن الآن؟ وأين نريد الوصول، وكيف نصل إلى ما نريد؟ كما يساهم التخطيط الإستراتيجي في تطوير المؤسسات بنسبة لا تقل عن 30%، ويؤدي إلى حصر العاملين وتحريك دوافعهم لتحقيق الأهداف المطلوبة، ويحدد الأدوات والمسؤوليات.

كما يعمل التخطيط على تحدي الوضع الراهن، والمرونة، والاستجابة للمتغيرات، وربط المستويات الإدارية المختلفة ببعضها عن طريق الاشتراك في اتخاذ القرارات، ومواجهة المشكلات والتنبؤ بها، وإعداد الحلول المناسبة لها، كما يرفع الروح المنعوية، ويُعلي الشعور بالمسؤولية نتيجة لتبادل المعلومات ووجهات النظر.

ومن أهم إيجابياته أنه يترجم الإستراتيجية إلى أهداف قابلة للقياس، ويحفز بأسلوب علمي التغيير في المجالات المهمة، ويساعد المنظمات على تعديل إستراتيجياتها بمرونة، ويجمع بين أهداف النسق الأدنى، بأهداف النسق الأعلى للمنظمة، كما يضمن ترابط العلاقة بين الأهداف ومقاييس الأداء.

وبات على من خضعوا لدورة الجودة والتخطيط الإستراتيجي، وضع خطة إستراتيجية لمطار يخدم السودان خلال الخمسين سنة القادمة، وهو تحدي كبير وضعه أمامهم بروفيسور نصر الدين كباشي الأستاذ بالجامعة الإسلامية بماليزيا.