منبر (إمام) يدعو لإعادة ضبط التعامل مع مفهوم “تطبيق الشريعة”

منبر (إمام) يدعو لإعادة ضبط التعامل مع مفهوم “تطبيق الشريعة”

إقامة الدين، وتطبيق الشريعة، هي: الأساس العاصم من ويلات الصراعات، والعدل هو: الضامن لاستقرار الأنظمة السياسية، كما أن تطبيق الشريعة يعزز من بناء المجتمع، ويسهم في تعزيز طاقات المجتمع ووقايته من الفناء، بجانب أن أحكام وقواعد الشريعة الإسلامية المتعلقة بالحكم، والأنظمة السياسية، والاقتصادية، متاحة للاجتهاد، وقد أتاح الفقه الإسلامي وقواعده المجال لإنشاء نظم سياسية، وبيّن كيفية اختيار الرئيس، ومدة الحكم، واختيار المجالس النيابية.

يأتي ذلك كله كنتائج خَلُص إليها بروفيسور محمد الفاضل أحمد، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة سنار في ورقته حول: (مفهوم إقامة الدين وتطبيق الشريعة في أنظمة العدل، إضافة للعدل وأثره على إقامة الدين) التي طرحها في جلسة الانعقاد الثانية لمنبر الحوار حول تحديات إقامة الدين وتطبيق الشريعة في أنظمة التشريع، والقانون، والعدل.

وشدد بروفيسور الفاضل في المنبر الذي نظمه معهد إسلام المعرفة (إمام) بمقره بحنتوب أغسطس الجاري، على ضرورة تفعيل آليات تطبيق الشريعة ضماناً للعدل، والحرص على نزاهة الأجهزة العدلية، ونشر وتبسيط إجراءات التقاضي، ونشر ثقافة المساءلة والمناصحة، وتعزيز الإنتماء للحضارة الإسلامية، علاوة على الانعتاق من أسْر التبعية الفكرية، والثقافية للحضارات الأخرى.

وبذلك يكون العدل قيمة حضارية، وضرورة إنسانية، وأساس لاستقامة الحياة، ونجد أن لكل دولة أنظمة عدلية مناط بها تطبيق القانون وإنفاذه، وهي تمثل جزءاً لا يتجزأ من رسالة الحكم، وسياسته، فالعدل من لوازم الدولة، والذراع المهمة في وجودها، وإحدى ضمانات الحياة الاجتماعية. وإزاء هذه الوظيفة الدينية، فإن المشرِّع السوداني قد اهتم غاية الاهتمام بإقامة الدين في الدولة.

** مصطلح غائم

وبالنسبة لدكتور خوجلي أحمد صديق من جامعة الجزيرة، فإن من أكبر التحديات في إقامة الدين، وتطبيق الشريعة، هو تحديد المصطلحات الذي يعتبره أحد أسباب المشاكل في العالم الإسلامي.

ويرى أن كثيراً من تجارب التطبيق قد أجهضها عدم وضوح المصطلح عند الناس، باعتبار أن الحكم على الشيء يمثل فرعاً من التصور. ومن وجهة نظره فإن تطبيق الشريعة هو: مصطلح غائم وغير واضح ويحتاج لتوضيح، ومع ذلك يراه المصطلح الأوسع، والأقرب للناس من إقامة الدين.

** مفاهيم لا تقبل التلاعب

المفهوم هو قضية جوهرية في معالجة موضوع إقامة الدين، وتطبيق الشريعة وغيره من الموضوعات كما يرى د. محمد بابكر العوض عميد معهد إسلام المعرفة (إمام) وذلك بنسبة أعلى عند الباحثين، والدارسين، والأكاديميين، أكثر منه عند التنفيذيين.

ويذهب في اتجاه وجود فوارق بين مفهوم جرى الاصطلاح عليه داخل التخصص، أو فئة أكاديمية، أو جماعة مهنية، وبين أن يكون المفهوم قرآنياً، ويعتقد أن من ضوابط التعامل مع المفهوم القرآني، هو استبعاد الاحتمالات التي لا يمكن تصورها في مثل هذا النوع من المفاهيم.

ويبدي عميد “إمام” استغرابه الشديد مما أثير حول عدم وضوح مفهوم إقامة الدين، فإن لم تسعف المرئ معرفته اللغوية لإدراك معنى هذا المفهوم، فهنالك تراث هائل استمر لمدة (1400) سنة يتحدث عن هذه المفاهيم التي تشكل جزءاً من البنية العقلية، والثقافية للأمة الإسلامية.

ويرى تنامي الحاجة لتثبيت قواعد راسخة للتعامل مع المفهوم القرآني، والاتفاق حولها، وعدم التعامل مع المفاهيم القرآنية بذات الأسلوب الذي يتم به التعامل مع المفاهيم الأخرى؛ مثل: مفهوم “فصل السلطات” الذي تعبر عنه عدد من المؤسسات.

ويعتبر أن الإشكالية مع المفاهيم القرآنية ومن بينها مفهومي “إقامة الدين” و”تطبيق الشريعة” تتمثل في عدم وجود تناسق، ووضوح في العلاقة بينهما كمفاهيم مستقرة في وعي الإنسان المسلم، والمؤسسات المعبرة عنها على مستوى الواقع.

ويسوغ بذلك للحديث الذي شهدته منابر تحديات إقامة الدين وتطبيق الشريعة في أنظمة التشريع، والقانون، والعدل، وغيرها والذي تركز حول الأنظمة، وأغفل الجانب المعرفي، فالمفهوم لم يكن مستهدفاً لتضييع كثير من الوقت والتجادل في ظل الاتفاق على وضوح هذه المفاهيم، وربانيتها، وخلودها.

ومن خصائص المفهوم القرآني- في نظره- أنه يعبر عن الظاهرة الواحدة بأكثر من مفهوم، كما جاء في الآيات الخاصة بإقامة الدين وتطبيق الشريع، فالقرآن يريد توضيح أن المطلوب هو الضبط، والممارسة، وليس الانشغال بالقضية المفاهيمية بأكثر من المطلوب.

ومفهوم تطبيق الشريعة كما ذكر د. العوض هو: مفهوم خالد في القرآن، ومستقر، ولا خلاف عليه، غير أن الممارسة السياسية جعلته يتعلق بأكثر من جانب، ويظهر وكأنه مفهوم سياسي، أكثر من كونه مفهوماً عدلياً، أو اجتماعياً، أو أخلاقياً، ويمكن أن يفهم في بيئات أخرى أنه: استعداء لأطراف سياسية.

ويفرض هذا الواقع ضرورة إعادة ضبط التعامل مع المفهوم، وليس إعادة ضبط للمفهوم نفسه، وبالنسبة إليه فإن هنالك غياب للمفهوم بعد أن حلت محله مفاهيم أخرى بعضها خارجي، وبعضها في المسلمين أنفسهم، ويشدد على ضرورة أن يكون الصوت عالياً فيما يتعلق بالمفاهيم القرآنية التي قال إنها لا تقبل التلاعب.