الشعب السوداني بين الدغمسة والدسدسة والحب من طرف واحد

الشعب السوداني بين الدغمسة والدسدسة والحب من طرف واحد

تتأثر الصحة النفسية للأفراد بالضغوط الحياتية، وتبقى نتائج هذا التأثير مفتوحة على جميع الاحتمالات في حال فشل الإنسان في التعامل مع هذه الضغوط بمستوياتها المختلفة، حيث يمكن أن تسوء العواقب كثيراً. وفي ضوء تنامي الحاجة إلى توعية المجتمع بكيفية التعامل مع كل ما يؤثر في الجوانب النفسية، جاءت مشاركة البروفيسور علي بلدو استشاري الصحة النفسية في فعاليات أسبوع الصحة النفسية الثالث الذي نظمه قسم علم النفس الصحي بكلية العلوم الطبية التطبيقة جامعة الجزيرة أغسطس الجاري، معززة لفرص التغلل في أوساط المجتمع، وتفسير كثيرٍ من الأمور التي تعتري الإنسان في مسيرة حياته.

** واقع مخيف

في عصور ما قبل التاريخ، كان الإنسان يتعرض للضرب (ياخد علقة) إذا شكا من أعراض نفسية، أو عصبية، ويُعتبر تصرفه هذا نوعاً من “قلة الأدب”، وإذا ما أصر على موقفه ولم يتماثل للشفاء، ذهب به الناس إلى راهب القبيلة، فإن لم يجدي نفعاً يُحرم من الطعام، والشراب، ثم يُربط في شجرة، ويُضرب بالسوط، ويُدق في رأسه ما يعرف الآن بـ(الخازوق) وهو عبارة عن مسمار طويل- بدون بنج- ثم يترك لمصيره والذي يكون غالباً هو: الموت (وليه بنهرب من مصيرنا).

وعلى غرار ذلك العصر، إذا ما شكت البنت لأبيها من أزمة نفسية (عندي اكتئاب) تقابل بردة فعل عنيفة، وتقريع حاد: (يا جاحدة أنا جبت ليك وسويت ليك، وتجي تقولي عندي اكتئاب). كما نجد الآن العلاج الشعبي؛ فأكثر من 99% من مرضى الصحة النفسية، والعصبية يأتون للطبيب بعد وصولهم للأدوار النهائية وتجاوز أدوار الـ(32-16-8) حيث يكون حضورهم بعد أن: (تمت الناقصة وبِقو على عجل الحديد)، وهنالك أيضاً الحرمان من الطعام واستبداله بما يعرف بـ(الماسخة، والعكارة، واللبن، والجراية، والباشنقو، والكشحة، والسفوفة، واللخوخة) وغيرها من الأسماء.

ونجد أن الجلد يشكل حضوراً كبيراً في النواحي العلاجية للشخص المريض وهو مقيد، وإذا ما شكا أحدهم من صداع يُطلب منه الذهاب إلى مركز (X-Y-Z) لتلقي العلاج، وهنالك يأخذ كفين، ولو قال: (بِغم- آي- آه) ينتقل المعالج إلى قول: (أُخرج) أما إذا ما (حشرجت) يقال له: (شايف أعراضك واضحة) فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. ويصف بروفيسور علي بلدو استشاري الصحة النفسية، واقع المشاكل النفسية بالمخيف ويعتبره (شُغل) مجتمع شامل.

1 (2)

** إدعاء المعرفة

ويمكن أن يلتقيك أحدهم ويسألك: أنت د. فلان؟ وبعد الإجابة: ممكن تلفونك؟ ثم يذهب ويتصل عليك د. فلان: عندي مشكلة داير أحكي ليك عن زول؟ أحكي ليك.. وتحكي لي.. و(الكلام جاب الكلام.. زادوه حبة جابوه ليك). وبعد قليل: يا دكتور داير أجيك.. أوكي..  أها وين؟ وصف لي؟ ياخ عندي عمي داير يسمع كلامك القلتو ده!! وهكذا الحال فالمرضى يحتاجون إلى (فرشة). ويحكي د. بلدو عن تجربته مع مريض حضر إليه في العيادة، وحينما سأله: (عندك شنو) رد عليه: (أديني جوازي ياخ) إنت موش بتاع الجوازات!؟! أنا داير طيارة هسة توديني كندا، والطيارة تجي شارع الدكاترة.

ومن أكبر المساوئ في هذا الشعب، إدعاء المعرفة (مركبين مكنات ما حقتنا)، فإذا كان هنالك شخص (زعلان ومدبرس وعندو اكتئاب)، يقال له: “أرح شارع النيل” أترك الأحلام يا جميل وأصحى.. في ضفاف النيل ننشد الفسحة، نمشي نتفسح، وناكل أقاشي، ونعاين في البلوم، والعندليب، وطير الرهو، والموضوع ينتهي باي باي، ومع السلامة، ويصف د. بلدو هذا الأمر بأنه: (كلام فارغ ساكت) ويتساءل لو أن أحدهم أصابته ملاريا، أو أنفلونزا وسمع عزفاً هل سيشفى؟.

** الدغمسة والدسدسة

ويرى بروفيسور بلدو أننا شعب يحب: (الدغمسة، والدسدسة)، فالذي يقيم علاقة مع إحداهن في السنة الأولى، يصرح لها بحبه في السنة الخامسة، (خمسة سنين عذاب.. خمسة سنين ألم) وفي النهاية الموضوع (يطرشق) وتكون القصة ميتة وخراب ديار. ولو أن أحدهم بدأ يتحدث مع نفسه، وزاد هذا الأمر (نضمو كتر.. وبحرو دفر) وتطور الأمر إلى “حركات ما طبيعية” واقتنع الناس بأن هذا الأمر غير طبيعي، غير أن الخوف من الشماتة يحول دون خضوعه للعلاج (يعني أقول ليهم ولدي جنّ ويشمتو فيني)، كما أن هنالك الخوف من العنوسة (البُورة) رغم أنها (حاصلة) دون مرض (وكمان عيانة)، وأيضاً الخوف من (النجيهة) فأيما إنسان نقي وشفاف الدواخل، حضر للدكتور سينال جزاء سنمار، فسيعيره المجتمع، وحتى أخواته في المنزل (حيشغلوها ليهو) ومن هنا جاءت المضايرة والدسدسة.

وهنالك كثير من المصطلحات يعتبرها بروفيسور بلدو غير علمية للمرض النفسي، والاضطراب السلوكي، فليس في الطب وعلم النفس (حاجة) اسمها: “مجنون، بحرو زايد، فاطي سطر، جنريتر، جنينة، معتوه” وغيرها من المصطلحات الدالة على المرض النفسي والعصبي، حيث يرتبط الجنون بالإبداع، والحس المرهف، والفن (ركب الظلط) والناس في مثل هذه الحالات يحاولون عمل (درقة نفسية) لتجنب الحضور للطبيب النفسي.

** مشاكل أسرية

ويبرز أيضاً ما يعرف بـ(الضرا) جاياك يا أبو شرا.. جاياك أفتو معاك.. وبالضرا يا أبو شرا.. وذلك لأن الشعب السوداني يتابع باهتمام عملية ذهاب الناس لعيادة المرض النفسي، فيدفع هذا السلوك الناس إلى الذهاب إلى حيث يتصاعد دخان البخور (ضبان ضكر) من أمام من يدّعون أن لهم علاقة ببشير لومي، أو اللولية- حسب زعمهم- تقول ليها: مالك يا حاجة؟ تقول ليك دهبي سرقوه، ومالك يا بت؟ تقول ليك خطيبي ليهو شهرين (دقيت ليهو ما رد) عندو عوارض.

ومن بين الأشياء التي تسبب الضغوط الحياتية، المشاكل الأسرية، فإذا ما عاد الرجل إلى المنزل (صاري وشو) تقول له المرأة: خلاص ناس أمك سقوك فيكون شعاره: (صابحني دايماً مبتسم) فهذا الأمر قد يودي بحياته، وكل هذه العوامل قد أثرت على مجال الطب النفسي، وأشعلت حرباً ضروساً لا يقودها إلا أمثال بروفيسور علي بلدو ومن لف لفه، والسؤال الذي يطرح نفسه: في زول ما مضغوط؟ في زول شعاره: (في كل أحوالي سعيد ومُنَعم)، أو عنده الأماني العذبة تتراقص حيالي؟ فالكل على ما يبدو معصورين، وممكونين، لكن صابرين.

 وهذا الصبر عند د. بلدو هو المشكلة في حد ذاتها لأن لكل واحد منا آمال، وأمنيات، وعواطف، وإحساس، وأحاسيس، ومنى، وأمل، وعاطفة يريد تحقيقها، فهناك من يريد الدراسة في كلية معينة وفي كل عام يجلس فيه للامتحان تنقص نسبته 1.%، وهنالك أشخاص أقوياء (بياكلوها في حنانهم) عملاً بشعار شيرين: لازم أقسى.. ولازم أنسى.. ولازم أعيش، أما الآخرون (ناس قريعتي راحت) قاعدين على الهبشة (راجي منك بس إشارة) لضرب المشاكل النفسية.

يقول ليك: الولد ده جاب 77% في امتحان الشهادة ومن اليوم داك الدخلت فيهو تاني ما مرقت ويرد بروفيسور علي بلدو على هذا بقوله: (كضابين) ويقولون أيضاً: (الله يلعنك يا فلانة بقيتي ليهو سبب) وهؤلاء شعارهم: أصلو البي باقي من قبال تجيني.. مرة هديتو قلبي وضيع لي سنيني وهو من زمان (سنينو ضايعة).. وهنالك بعض الأشخاص يعانون من ارتفاع مستوى الكبت وعدم القدرة على النقاش، فتترسخ في دواخلهم هذه الضغوط مسببة (ندوباً نفسية)  داخل النفس تتحول مع الزمن إلى حالة من عدم التوازن بين حاجتهم التي يريدونها، وبين ما هو مفروض عليهم.

1 (1)

** حب من طرف واحد

ومن بين المشاكل (الحب من طرف واحد)، فأي إنسان يمتلك القدرة على التعامل مع الضغوط النفسية بطريقة إيجابية، يطورها إلى طاقة دفع في فن، أو رسم، أو قراءة وغيرها، بينما النوع الآخر يلجأ إلى الخواطر (أشعر أنني وحيدة.. أعاني من آلام داخل نفسي.. لا أحد يشعر بي) وهؤلاء هم من يبحث عنهم بروفيسور علي بلدو والأمر عنده مسألة زمن (شوفتك بشوفها حلم حلم.. وسكتنا بيك لازم تلم). وأحياناً يحدث نوع من التواصل بين الإنسان الممكون الصابر، والمعصور الزيتو طالع مع الواقع عن طريق اللسان وزلاتو، فحينما يدخل إنسان في علاقة جديدة أعقبت تجربة فاشلة، ينتظره ذلك السؤال: هل أنا أول حب في حياتك؟.

وبالرجوع إلى الشواهد، نجد أن مسيلمة الكذاب قد كذب كذبة واحدة في حياته حينما قال: (أنا بصوم)، أما هنا فترتفع معدلات الكذب على نحو مخيف، فيكون الرد على السؤال: ده كلام شنو ده البتقوليهو ده.. ليه كده معقول لكن!! وهو يعلم أنه: (كضاب)، غير أن الخبرات، والتراكمات، والتجارب في النفس غير خاضعة للنسيان، فمع استمرار الحديث مع (حنان)، يبدأ العقل الباطن في الطفو إلى السطح، فيتحول الأمر إلى: (قلت لي شنو يا سلمى!؟) فيطرح السؤال نفسه: سلمى دي منو؟ ومن بابورو خشّ كريمة.. قوقا القمري فوق النيمة.. قال لي الحكاية أليمة. ومن ثَمّ تبدأ الكذبة الثانية، سلمى دي منو؟ فيختلق كذبة تسبب له شعوراً بالذنب يتحول إلى جلد الذات، والتقريع وبعدين سهر بالليل، وألم، واكتئاب.

** مصران عصبي

وهناك أيضاً كما أشار بروفيسور بلدو، الحديث أثناء النوم بالحاجة الحاصلة، فذلك الذي تزوج من منطقة قروية شعارها: (كل الناس صحاب.. كل الناس أهل.. والماهم قراب.. قربهم العمل)، فبعد مضي أسبوعين من الزواج يأتيه من القرية (سيد الدكان) الذي يريد استخراج أوراق ثبوتية، وبعد ثلاثة أيام يأتي ابن خال، وابن عم زوجته وغيرهم، فيتحول المنزل إلى شيء أشبه بـ(اللكوندة)، وفي مثل هذه الحالة يكون العقل الواعي مرحباً بكل زائر، فيما تدور المعصرة داخل النفس، وحينما ينام الشرطي النفسي وتصبح كل القنوات مفتوحة يبدأ الحديث أثناء النوم: (ياخ كرهتونا.. بيت ده ولّ لكوندة).

ولكل منا تعبير مختلف عن الضغوط النفسية، فحينما يُسأل أحدهم عن حاله في المنزل مع زوجته المعروفة بأنها: (مرأة فقرية ونقاقة)، يكون رده: الحمد لله مرتاحين، ويعبر عن حالة (الفلس) الملازمة له بالقول: نعمل شنو حال الدنيا.. فتظنك نفسك وقتها أمام عنترة بن شداد العبسي، ولكن بعد قليل تبدأ الشكوى (آخ المصران قام علي) حيث يتحول الضغط النفسي إلى آلام جسدية أشهرها ما يسمى بـ(المصران العصبي) والذي هو واجهة اختلقناها نحن وأباؤنا الأولون لنخفي خلفها مصاعبنا النفسية في صورة مغلفة. فكل شخص (زهجان جداً، ومكفرن، وغضبان، وغالبو النوم) يقول ليك عندو: مصران عصبي.

1 (3)

** ضغوط نفسية مغلفة

وتتسبب الضغوط النفسية في مشاكل قلة النوم ليلاً وما يصحبها من حالة (تقلب يمين وشمال) في الفراش، بجانب عدم القدرة على الأكل وفقدان الشهية، وقلة التركيز تقول ليك يا دكتور (جاني زهايمر) فخلال أسبوع واحد احترقت (3 حلل)، ومشيت الدكان وقفت نص ساعة أفكر جيت أشتري شنو، ومفتاحي نسيتو في البيت ما عارف ختيتو وين، وكلها ضغوط نفسية مغلفة، يضاف إليها عدم القدرة على الحياة الزوجية بصورة طبيعية، علاوة على الانفعال، والتوتر، والغضب، حيث تتحول هذه الأشياء إلى طاقة يعبر عنها الناس بأشكال مختلفة.

فذلك المدير الذي حضر للمكتب (قافلة معاه) ووجد المرؤوس قد تأخر عن زمن العمل نحو (45) ثانية، فيهاجمه بعنف (انفصم فوقو) ياخ ده شنو.. كرهتونا.. كل يوم جايين متأخرين ساعتين، ويكون تصرفه هذا بمثابة تفريغ لشحنة نفسية سالبة بصورة انفعالية.. أما ذلك الموظف الذي انتقلت إليه هذه الشحنة فبمجرد عودته للمنزل (مسخن) يهاجم زوجته التي وضعت أمامه (صينية الغداء وفيها صحن الخدرة) الذي لم يذق طعمه منذ شهر، كل يوم خدرة، أنا زول ول غنماية، سوقيني أربطيني هناك وريحي نفسك.

وبمجرد أن حملت المرأة (الشعلة الأولمبية) ووجدت الولد يراجع دروسه، تهاجمه (ده شنو يا فقري.. الكراس ده ليه وسختو كده) ويتطور الأمر إلى علقة ساخنة (لا إيدو لا كراعو) ومعها إساءات.. أما الطفل الذي وجد نفسه داخل (السيستم) فقد التقى بابن الجيران الصغير في الشارع فسأله: (إنت قبل يومين ليه عاينت لي) فيوسعه ضرباً.. وليس أمام هذا الصغير إلا ذلك الكلب المساكين النائم في ظل الحائط فيضربه بحجر يفسد عليه حلمه الجميل.

** أمسك لي وأقطع ليك

وتُترجم الكثير من الآمال، والطموحات المكبوتة، والآلام، والإرهاق النفسي عند النساء، في صورة شخصية صنعناها بأنفسنا وأطلقنا عليها: (الخواجة) ففي القرية يكون هناك العديد من النماذج فالمصائب يجمعن المصابين، فتجد النساء وقد اجتمعن في بيت الزار، حيث ينخرطن في الغناء، والرقص، وبعد ذلك يتم تقديم من اختارها الخواجة، وهذا الواقع قد دفع بروفيسور بلدو إلى إنشاء حزب (أمسك لي وأقطع ليك) فأيما إمراة ادعت بأنها: (مدسترة) وعندها دستور، فهذه تحتاج صرخة من أجل المساعدة.

ومن الناس من يلجأ لظاهرة التمارض بعد أن أعيته الأعباء العائلية (غلبني كتر عليّ) ولم يعد يستطيع جر (الترلة)، فيبدأ في الشكوى: راسي تقيل.. عيوني مطششة.. خشمي جردقة.. في حاجة واقفة لي هنا.. عندي شحة.. مستلهب.. فيركب ما أطلق عليه بروفيسور بلدو اسم (الطوطحانية) التي يمر من خلالها على ناس الباطنية، والأنف والأذن والحنجرة، والعظام، والنساء والتوليد، وغيرها فلا يجدون عنده شيئاً وكل ما في الأمر أنه (معصور ومجقلب عضوياً)، فيجد وهو راقد في فراشه عناية خاصة في مأكله، ومشربه، وكافة احتياجاته، وهو ينظر إليهم من طرف خفي ويستمتع بمشاهدة التلفاز.

ومنهم من يحمل في يده كيس من الأدوية (كل الدروب جربتها.. لا وصلت ليك.. لا الراحة تاني عرفتها) حيث أنه لم يترك فجاً للعلاج في مصر، أو الأردن إلا وسلكه، فكل من كثُرت شكواه لديه دعوة مفتوحة لزيارة بروفيسور بلدو (تعال ومعك آخرون)، وأخطر من ذلك كله موضوع التعاطي والإدمان، فعندما تسأل أحدهم: (أحوالك كيف) يقول ليك: الحمد لله صابرين وهو في ذات الوقت (خاتي سفة.. ومولع سيجارة حمراء وخضراء.. وشيشة.. وشاشبندي)، ومنهم من يعتقد أن التعاطي يساعد على تحمل الضغط الحياتي والتخلص من مشاكل الحياة (أنا لوجيت سكران بقدر أنسى).